موريتانيا الحياد المستحيل

حاولت موريتانيا منذ وقف الحرب مع البوليساريو واعلانها الاعتراف بالجمهورية الصحراوية مسك العصا من المنتصف، فقد اعترفت بالجمهورية لكنها لم تفتح لها سفارة في العاصمة نواكشوط، ولم تتعامل معها وفق عقد الاتفاقيات كما يحدث بين الدول وكان ذلك بالطبع ارضاءا للمغرب وحلفاءه الخليجيين و الاوربيين.
لكنها تركت للجبهة حرية الحركة في حدودها الشمالية غير المأهولة والمتداخلة مع الحدود الصحراوية ،وسكتت ايضا عن احتلال المغرب لجزء من أراضيها المحاذية للحدود الصحراوية التي اخترقها الجدار الرملي المقسم للأراضي الصحراوية .
استمرت زمنا طويلا في هذه السياسة الضبابية التي تضع رِجل مع المغرب وحلفاءه وتضع الرِجل الأخرى مع الجزائر و البوليساريو، لكنها وصلت اليوم إلى مرحلة لم يعد من الممكن فيها الاستمرار في انتهاج تلك السياسة، إذ أصبحت ملزمة بوضع كلتا رجليها في مكان واحد، بسبب تزايد الضغوط التي تتعرض لها من المغرب وحلفائه و تغير الأوضاع الدولية و الاقليمية وخاصة بعد 13 نوفمبر 2020 تاريخ العودة إلى ” الحرب ” .
فإما أن تترك للجبهة حرية الحركة في الأراضي المحاذية للحدود الصحراوية كما كان عليه الحال طيلة أكثر من خمسين سنة، وذلك لم يعد مقبولا عند المغرب المنتشي بتحالفه مع اسرائيل، إذ أصبح يعتبره اصطفافا مباشرا مع البوليساريو والجزائر.
و اما أن تمنع الجبهة من عبور أراضيها المحاذية للحدود الصحراوية وذلك يعتبر بالضرورة دعما للاحتلال المغربي لأنه يخنق الجبهة ويضيق هامش المناورة على المقاتل الصحراوي بل يجعله صيدا سهلا لمسيرات الاحتلال المغربي. لا يوجد خيار ثالث.
واذا كان منطق الجيرة و الدم والمصير المشترك الذي يجعل كل من الشعبين الشقيقين الصحراوي و الموريتاني عمقا استراتيجيا للآخر، و جبهة متقدمة تحميه من الأعداء المتربصين يلعب دور في التأثير على القرار الموريتاني، قد تعلق عليه الجبهة بعض الأمآل، فإن لمنطق المصالح الآنية للأنظمة والقائمين عليها التأثير الأكبر.
وحتى نكون منصفين فإن وتيرة ” الحرب ” المعلنة منذ نوفمبر 2020 ونتائجها السلبية على الأرض، افقدت الجانب الصحراوي الكثير من اوراق اللعبة واهمها ورقة السيطرة على الأراضي المحررة، التي كانت تحمي الجيران من الإحراج وتسمح للمقاتل الصحراوي بالمناورة، فخسارة السيطرة على أجواء المناطق المحررة اعطت للإحتلال وحلفائه الحجج للضغط على موريتانيا، والجميع يعرف أنهم يملكون الكثير من اوراق الضغط عليها.
وللإنصاف ايضا فإن موريتانيا تركت لنا فرصة أكثر من خمس سنوات منذ نوفمبر 2020 لتحقيق اي مكسب على الأرض قد يغير موازين التفاوض لصالحنا، لكننا ضيعنا هذه المدة الزمنية كما أضعنا الكثير قبلها في محاولة الحفاظ على سلطة بدون ارض.
يبدو أن الحياد السابق الذي كانت تعلنه موريتانيا وتتعامل به لم يعد ممكنا لها، و أن السيناريو الاقرب هو النأي بأراضيها عن النزاع قدر الإمكان، وعلينا أن لا نعتبر ذلك عملا عدائيا وان لا نلومها عليه ما يربطنا بموريتانيا أكبر من أي قرار مرحلي، بل علينا الانطلاق منه صوب الإعتماد على النفس، وتصحيح الاختلالات التي جعلتنا في هذا المستوى من الضعف، والبحث عن الطرق التي تمكننا من استرجاع السيطرة على اراضينا المحررة كمرحلة أولى لإكمال معركة التحرير، و التوقف عن لوم الآخرين وتعليق فشلنا عليهم: ( أولئك ضيقوا علينا والاخرين لم يدعمونا كما ينبغي و…الخ ) فالمعركة معركة الشعب قبل أن تكون معركة حليف أو صديق.
بقلم محمد لحسن.




