صحراويين أم واجهة سياسية؟ قراءة في الأصوات التي تسوّق الحكم الذاتي اليوم

بقلم: سيد احمد اليداسي
تطرح الأصوات التي يجري إبرازها في المرحلة الراهنة، للدفاع عن الحكم الذاتي، أكثر من علامة استفهام. فالمقترح المغربي قُدِّم رسميا سنة 2007، أي منذ ما يقارب ثمانية عشر عاما. فلو كان يعكس فعلا إرادة الشعب الصحراوي، لكانت هذه الأصوات قد عبّرت عن موقفها وحماسها آنذاك، لا أن تظهر اليوم في سياق سياسي دولي يعرف محاولات مكثفة لفرض الأمر الواقع.
إن بروز هذه الخطابات في هذا التوقيت بالذات لا يمكن فصله عن سياق سياسي محسوب، هدفه الإيحاء بوجود “قبول صحراوي داخلي” بالحكم الذاتي، تمهيدا لتسويق هذا الخيار دوليا كبديل عن الاستفتاء. غير أن هذه الأصوات لا تمثل إلا نفسها، ولا تعبّر عن الإرادة الحرة للشعب الصحراوي، بل ترتبط، في غالبها، بعلاقات نفعية واقتصادية مع سلطة الاحتلال، ما يفقدها أي مشروعية تمثيلية أو أخلاقية.
إن محاولة الاحتلال المغربي اختزال الشعب الصحراوي في أفراد مستفيدين من واقع الاحتلال هو محاولة يائسة من اجل إنكار لوجود شعب كامل، له تاريخ وهوية ونضال مستمر منذ عقود. فالإرادة الصحراوية عبّرت عن نفسها بوضوح، في مخيمات اللاجئين، وفي الأراضي المحتلة رغم القمع، وفي المحافل الدولية، ولم تتغير في جوهرها: الاستقلال الكامل وبناء دولة ذات سيادة.
إن محاولات فرض الحكم الذاتي ليست سوى شكل معاصر من أشكال تصفية الاستعمار المنقوصة، حيث يُطلب من الشعب الواقع تحت الاحتلال أن يقبل بإدارة محلية محدودة، بينما تُحرم عليه أبسط حقوق السيادة. وهذا النموذج مرفوض قانونا وأخلاقا، ولا يمكن أن يشكل أساسا لحل دائم، لأنه يتجاهل أصل النزاع ولا يعالج أسبابه.
تُعدّ قضية الصحراء الغربية من آخر قضايا تصفية الاستعمار غير المكتملة في العالم المعاصر، وهو توصيف قانوني ثابت لم يتغير منذ إدراج الإقليم سنة 1963 ضمن قائمة الأمم المتحدة للأقاليم المستعمرة. هذا المعطى ليس سياسياً ولا ظرفياً، بل هو توصيف قانوني ملزم، يرتب التزامات واضحة على عاتق المجتمع الدولي، ويجعل من حق تقرير المصير الإطار الحصري والشرعي لأي حل عادل ودائم.
في هذا السياق، يظل مقترح “الحكم الذاتي” الذي تطرحه الدولة المغربية مبادرة أحادية الجانب، تفتقر إلى الأساس القانوني الدولي، لأنها تتجاوز المبدأ الجوهري الذي قامت عليه تصفية الاستعمار، والمتمثل في تمكين الشعب المعني من الاختيار الحر بين كل الخيارات، وعلى رأسها الاستقلال. فالقانون الدولي لا يعترف بحلول تُفرض من طرف الدولة القائمة بالاحتلال، ولا يقبل استبدال حق تقرير المصير بترتيبات داخلية تُدار تحت سيادة طرف واحد في النزاع.
وعليه، فإن الترويج للحكم الذاتي باعتباره “الحل النهائي” لا يعدو أن يكون محاولة لإعادة تأطير نزاع دولي في قالب إداري داخلي، في تعارض صريح مع قرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن، ومع الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، الذي نفى وجود أي سيادة إقليمية سابقة للمغرب أو غيره على الصحراء الغربية قبل الاحتلال.
أما على مستوى التمثيل، فإن جبهة البوليساريو تظل، بحكم القانون والممارسة الدولية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الصحراوي. هذه الصفة ليست موضع تأويل أو اجتهاد سياسي، بل هي نتيجة مسار قانوني اعترفت به الأمم المتحدة، وتعاملت على أساسه مع الجبهة كطرف قانوني في النزاع. وكل محاولات الالتفاف على هذه الحقيقة عبر خلق واجهات أو أصوات بديلة، لا تغير من الوضع القانوني شيئا، بل تؤكد وجود إرادة سياسية لتشتيت التمثيل الصحراوي وتقويض حقه الجماعي.
وخلاصة القول، إن أي حل يتجاوز الاستفتاء الحر والنزيه، ويقصي خيار الاستقلال، هو حل يفتقر إلى الشرعية، ومحكوم عليه بالفشل. فحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير ليس قابلا للتجزئة أو التأجيل أو التفاوض، بل هو حق ثابت لا يسقط بالتقادم. والاستقلال ليس مطلبا سياسيا ظرفيا، بل هو النتيجة الطبيعية والمنسجمة مع القانون الدولي، ومع مبادئ العدالة، ومع إرادة شعب لم يتخلّ يوما عن حقه في الحرية.
سيد احمد اليداسي




