اخر الاخبارسياسة

ترامب لا يصنع الشرعية الدولية: الصحراء الغربية قضية تصفية استعمار وليست صفقة سياسية

إن تجديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب اعترافه بـ”السيادة المزعومة المغربية على الصحراء الغربية”، لا يُغيّر من الواقع القانوني والسياسي للنزاع في الصحراء الغربية، ويستدعي التوضيح من عدة زوايا أساسية:


1. عودة ترامب لا تعني إطلاق سلطته المطلقة

صحيح أن دونالد ترامب عاد إلى البيت الأبيض، لكن حتى بصفته رئيسًا للولايات المتحدة، فإنه لا يملك سلطة مطلقة لفرض مواقف أحادية على السياسة الخارجية للبلاد، وخاصة في ملفات حساسة تخضع لإجماع دولي مثل قضية الصحراء الغربية.

الولايات المتحدة دولة مؤسسات، والرئيس لا يستطيع وحده تغيير المواقف طويلة الأمد من دون موافقة الكونغرس، ووزارة الخارجية، والأجهزة القانونية. ومن المعروف أن عدداً من أعضاء الكونغرس – من الحزبين الجمهوري والديمقراطي – سبق أن عبّروا عن رفضهم لقرار ترامب سنة 2020، واعتبروه متسرعًا ومخالفًا للنهج المتوازن الذي اعتمدته الإدارات الأميركية السابقة لعقود.


2. الاعتراف الأميركي لا يغيّر الوضع القانوني الدولي

رغم إعادة التأكيد على موقفه الشخصي، فإن اعتراف ترامب بسيادة المغرب على الصحراء لا يُلغي حقيقة أن:

  • الأمم المتحدة لا تعترف بسيادة المغرب على الإقليم.
  • الصحراء الغربية ما تزال مدرجة على قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي.
  • الشعب الصحراوي له حق قانوني غير قابل للتصرف في تقرير المصير، بموجب ميثاق الأمم المتحدة والقرارات ذات الصلة.

الاعتراف الأحادي من دولة – ولو كانت الولايات المتحدة – لا يمكنه أن ينسف هذا الأساس القانوني الراسخ.


3. موقف ترامب لا يحظى بإجماع داخل المؤسسات الأميركية

يُلاحظ أن إعادة تأكيد ترامب على “السيادة المغربية” جاءت في برقية بروتوكولية بمناسبة عيد العرش، وهي ليست إعلانًا رسميًا لتغيير سياسة الدولة الأميركية بالكامل.
وزارة الخارجية، حتى أثناء فترة رئاسته السابقة، لم تصدر قرارًا تنفيذياً رسميًا أو مذكرة قانونية تُلزم المؤسسات الأميركية باتباع هذا الخط.

ثم إن الإدارات الأميركية – بما في ذلك بايدن لاحقًا – لم تؤكد هذا الاعتراف، بل عادت للحديث عن دعم جهود الأمم المتحدة لإيجاد حل سياسي متوافق عليه، مما يعني أن الاعتراف لم يتحول إلى سياسة مستقرة أو دائمة.


4. صفقات الاعتراف مقابل التطبيع تُضعف الشرعية الدولية

من المهم التذكير بأن الاعتراف الذي أعلنه ترامب أول مرة سنة 2020 جاء في إطار “صفقة سياسية” ضمن اتفاقيات أبراهام، حيث اعترف المغرب بإسرائيل مقابل اعتراف ترامب بـ”السيادة المغربية” على الصحراء.
هذا النوع من التبادلات السياسية لا يُمكن أن يُغيّر من الوضع القانوني الدولي، ولا يحترم مبدأ حق تقرير المصير الذي يُعد حجر الزاوية في القانون الدولي لحقوق الإنسان.


5. مقترح الحكم الذاتي لا يُلغي ضرورة استشارة الشعب الصحراوي

القول بأن الحكم الذاتي هو “الحل الوحيد” كما جاء في برقية ترامب، لا يُلغي وجوب عرض هذا المقترح – وغيره – على الشعب الصحراوي ليُقرر بحرية مستقبله، سواء ضمن المغرب أو خارجه.
هذا ما تؤكد عليه الأمم المتحدة، التي تعتبر أن أي حل يجب أن يكون مبنيًا على موافقة الطرفين، ويمكّن الصحراويين من ممارسة حقهم في تقرير المصير.


الخلاصة:

تصريحات ترامب – حتى بعد عودته إلى الحكم – لا تُلغي حق الشعب الصحراوي الثابت في تقرير المصير، ولا تُغير من مكانة الصحراء الغربية كإقليم خاضع لعملية تصفية استعمار وفق قرارات الأمم المتحدة.
الشرعية الدولية لا تُبنى على المواقف الفردية ولا على الصفقات السياسية، بل على احترام القانون الدولي وحقوق الشعوب.

والتاريخ أثبت أن الشرعية، مهما تأخرت، تنتصر في النهاية على المصالح المؤقتة والقرارات الأحادية.

محمود حيمد SNN

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى