من الترويج للاستثمار إلى تبرير الاحتلال: تفكيك رواية مغربية مضللة حول “النجاح” في معرض باريس للطيران

بقلم: محمود حيمد
نُشر مؤخرًا في صحيفة مغربية مقال بعنوان “UK MPs to Discuss British-Moroccan Ties After Newfound Position on Western Sahara”، بقلم كاتب مغربي ، يربط بين زيارة وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي إلى الرباط، وتقدم المغرب في مجال الصناعات الجوية، باعتبار ذلك مؤشرًا على “مكانة استراتيجية” للمملكة، وقابلية لتوسيع الشراكات مع الغرب.
لكن ما يتجاهله المقال، أو بالأحرى يتعمد إخفاءه، هو أن هذه الشراكات الاقتصادية والاستثمارية، التي يُحتفى بها في معرض باريس للطيران، تأتي في ظل استمرار احتلال المغرب لإقليم الصحراء الغربية، في انتهاك واضح لحق شعب بأكمله في تقرير مصيره، وخرق مستمر لقرارات الأمم المتحدة.
السياق الاستعماري الذي تم إخفاؤه
الكاتب المغربي يتحدث عن “النجاحات المغربية” في مجال الطيران، ويعدد أسماء الشركات والمناطق الصناعية، دون أن يذكر ولو بكلمة واحدة أن المغرب يفرض سيطرته بالقوة على أراضٍ لا تعترف له بها أي هيئة أممية كجزء من سيادته. الصحراء الغربية ليست جزءًا من التراب المغربي حسب القانون الدولي، بل هي إقليم غير متمتع بالحكم الذاتي، ما زال مصنفًا على جدول تصفية الاستعمار في الأمم المتحدة منذ عام 1963.
فكيف يمكن الحديث عن استقرار وتنمية بينما يُحرم شعب بأكمله من أبسط حقوقه السياسية والمدنية؟ وكيف يمكن الحديث عن التقدم، بينما تُقمع التظاهرات السلمية، وتُسجن الصحفيات، وتُمنع زيارة المراقبين الدوليين إلى الإقليم؟
حين يصبح الاستثمار أداة لتبييض الاحتلال
لا خلاف على أن المغرب حقق تطورًا في مجالات معينة، مثل صناعة الطيران أو السيارات. لكن هل يُمكن فصل هذا التطور عن السياق السياسي الذي يُستغل فيه؟ المقال المغربي يتغافل عمدًا عن كون جزء كبير من سياسة جذب الاستثمار إلى المغرب يتم عبر ترويج صورة “استقرار سياسي”، في حين أن هذا الاستقرار قائم على قمع ممنهج للشعب الصحراوي، وفرض واقع عسكري في الإقليم المحتل، ونهب الموارد الطبيعية دون موافقة السكان الأصليين.
إن المشاريع التي يتم الاحتفال بها اليوم، مثل مصنع “برات أند ويتني” في النواصر، أو دخول شركات كندية إلى السوق المغربي، لا يمكن قراءتها خارج هذا الإطار السياسي. خصوصًا إذا كان الخطاب الاقتصادي يُستعمل كغطاء لإضفاء شرعية زائفة على احتلال مستمر منذ ما يقرب من نصف قرن.
بريطانيا… وازدواجية المعايير
المقال يتفاخر بوجود اهتمام بريطاني متزايد بالتعاون مع المغرب، عقب زيارة لامي. لكن ما لا يقوله الكاتب هو أن بريطانيا – إذا ما مالت إلى دعم “خطة الحكم الذاتي” المغربية – تكون قد خانت التزامها الأخلاقي والسياسي كدولة دائمة العضوية في مجلس الأمن، كانت تُعرف بموقفها المتوازن تجاه الصحراء الغربية.
فهل تقف بريطانيا مع القانون الدولي، ومع حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره؟ أم أنها تميل نحو شراكة تجارية على حساب مبادئ كانت تدافع عنها في ملفات أخرى، كأوكرانيا أو هونغ كونغ؟
الكيل بمكيالين لا يُبني شرعية
ما لم يقله الكاتب المغربي أيضًا، هو أن نجاحات المغرب المزعومة لا تمنح شرعية للاحتلال، ولا تُسقط التزامات المملكة المغربية أمام المجتمع الدولي بتنظيم استفتاء تقرير مصير حر ونزيه، وفق ما نصت عليه اتفاقات وقف إطلاق النار مع جبهة البوليساريو منذ عام 1991.
المقال مليء بالتقارير الفنية والأرقام الصناعية، لكنه يفتقد لما هو أهم: الاعتراف بالحقيقة السياسية والحقوقية التي تحكم المشهد. ذلك أن الاقتصاد، مهما ارتفعت مؤشراته، لا يُلغي حق الشعوب في تقرير مصيرها.
الختام:
من باريس إلى الرباط، ومن مجلس العموم البريطاني إلى صحف الدعاية الرسمية، هناك حملة واضحة لتطبيع الاحتلال المغربي للصحراء الغربية تحت غطاء الشراكات الاقتصادية والاستثمار في “الاستقرار”. لكن هذا الاستقرار زائف، ولا يمكن أن يصمد أمام عدالة التاريخ ولا أمام نضال الشعب الصحراوي المستمر.
الرد الحقيقي على هذه الحملات الترويجية يجب أن يكون سياسيًا وحقوقيًا وإعلاميًا، يفضح المغالطات، ويعيد تسليط الضوء على القضية الجوهرية: شعب محتل يطالب بحقه في تقرير المصير… ولا أحد يملك شرعية إنكاره.




