“الحكم الذاتي”: استعمار بوجه جديد

قبل أكثر من ستين عامًا، جرّبت فرنسا في الجزائر ما يحاول المغرب اليوم تكراره في الصحراء الغربية: تغليف الاستعمار بورقٍ لامع اسمه “الحكم الذاتي”.
في أواخر الخمسينيات، حين اشتعلت حرب التحرير الجزائرية واشتد عود جبهة التحرير الوطني، أدركت فرنسا أن القمع العسكري لن يُطفئ جذوة الاستقلال. فابتكرت مشروع “الجزائر للجزائريين”، أي حكم ذاتي داخل السيادة الفرنسية. بدا المشروع حينها كتنازلٍ كريم، لكنه في جوهره لم يكن سوى محاولة لتثبيت الاحتلال بصيغة جديدة: جزائر تُدير شؤونها اليومية، لكن رايتها وسيادتها وقراراتها الكبرى تبقى بيد باريس. رفضت الجبهة هذا الطُعم بوضوح، معتبرة أن الحرية لا تُجزّأ.
بين عامي 1957 و1961 قدّمت باريس عدة مشاريع سياسية تهدف إلى احتواء الثورة الجزائرية دون الاعتراف بالاستقلال.
طرح الرئيس الفرنسي آنذاك شارل ديغول ما سماه “الجزائر للجزائريين” (Algérie algérienne)، وأشار في خطاباته إلى إمكانية منح الجزائر نوعاً من الحكم الذاتي الداخلي في إطار السيادة الفرنسية.
كان الهدف أن تبقى الجزائر مرتبطة بفرنسا سياسيًا واقتصاديًا، مع منح الجزائريين إدارة محلية محدودة، أي شكل من “الاستقلال الإداري” دون سيادة حقيقية.
و بعد ذلك حاولت فرنسا إقناع بعض الزعماء المحليين بقبول صيغة “الحكم الذاتي الموسع”، لكن جبهة التحرير الوطني رفضت تمامًا أي حل دون الاستقلال التام، معتبرة تلك المشاريع محاولات استعمارية بوجه ليّن.
رفض جبهة التحرير الثابت لهذه المقترحات مهّد الطريق إلى مفاوضات إيفيان سنة 1962، التي اعترفت فيها فرنسا رسميًا باستقلال الجزائر، وأسدل الستار على ما يمكن ان نسميه بمؤامرة الحكم الذاتي.
واليوم، يتكرر المشهد في الصحراء الغربية فالنظام المغربي، مدعومًا بحلفاء غربيين، يروّج لمقترح “الحكم الذاتي” كأنه عصا سحرية لإنهاء النزاع لكنه، في جوهره، لا يختلف عن العرض الفرنسي القديم: إدارة محدودة تحت سيادة المحتل، لا أكثر.
وكما رفض الجزائريون آنذاك محاولة الالتفاف على حقهم في الاستقلال التام يرفض الصحراويون مقايضة حقهم في تقرير المصير و الاستقلال بامتيازاتٍ زائفة تحت سقف الاحتلال.
ليس غريبًا أن نكتشف أن فكرة “الحكم الذاتي” التي قدمها المغرب سنة 2007 وُلدت في باريس، حيث طُبخت ملامحها الأولى في مطابخ السياسة الفرنسية القديمة.
يُعاد المشهد نفسه في الصحراء الغربية، حيث يُقدَّم الحكم الذاتي كـ«حلّ واقعي»، بينما هو في الحقيقة قيدٌ مطليّ بلون التنازل.
إن من يرضى بنصف حرية يرضى بنصف كرامة، ومن يقبل العبودية المغلّفة لا يملك من السيادة سوى اسمها فالكرامة لا تُجزّأ، والحرية لا تُقايَض.
كامل فاضل




