اخر الاخبارسياسة

حين يصبح الوهم سياسة:الاعلام المغربي يفتعل اعترافًا بريطانيًا عمره 300 عام

ردّ على تزييف الحقائق: معاهدة 1721 ليست اعترافًا بمغربية الصحراء ولا تُلغي القانون الدولي

في خضم المعركة الإعلامية المحيطة بقضية الصحراء الغربية، عاد الإعلام المغربي ليطرح رواية مشوهة لمضمون “معاهدة الصداقة” الموقعة عام 1721 بين بريطانيا والمغرب، زاعمًا أن هذه الوثيقة تمثل اعترافًا تاريخيًا من المملكة المتحدة بمغربية الصحراء. وزاد التضليل حين تم الادعاء بأن صحيفة The Guardian البريطانية نشرت تقريرًا يسلّط الضوء على هذا “الاعتراف”، في حين أن الحقيقة مغايرة تمامًا.

المعاهدة ليست تقريرًا صحفيًا ولا اعترافًا إقليميًا

ما نشرته The Guardian في الواقع لم يكن تقريرًا صحفيًا، بل رسالة رأي شخصية ضمن باب “رسائل إلى المحرر”، وهو قسم مفتوح للآراء الفردية ولا يُمثل الموقف التحريري للصحيفة. ومع ذلك، تم استغلالها وتقديمها في الإعلام المغربي على أنها “وثيقة رسمية بريطانية جديدة”.

أما بخصوص معاهدة 1721، فهي اتفاقية تجارية ودبلوماسية، تنص على تنظيم العلاقات بين الطرفين في مجالات الملاحة، التجارة، حماية الرعايا، والتعاون القنصلي. لا توجد في نص المعاهدة أي إشارة مباشرة أو غير مباشرة إلى الصحراء الغربية، ولا يمكن بأي منطق قانوني أو سياسي اعتبارها أساسًا لاعتراف بسيادة إقليمية على أراضٍ لم تكن أصلًا موضوعًا للنزاع في ذلك العصر.

الصحراء الغربية: واقعها القانوني لا يحتمل التأويل

بحسب القانون الدولي، الصحراء الغربية لا تزال مُدرجة ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي وفقًا للأمم المتحدة. لا توجد أي دولة عضو في الأمم المتحدة، بما في ذلك المملكة المتحدة، تعترف بسيادة المغرب على الإقليم. بل إن الأمم المتحدة، ومجلس الأمن تحديدًا، يعتبران حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير جوهر عملية التسوية.

وفي عام 1975، أصدرت محكمة العدل الدولية رأيًا استشاريًا واضحًا أكدت فيه أنه لا وجود لأي روابط سيادية قانونية بين المغرب والصحراء الغربية يمكن أن تعيق مسار إنهاء الاستعمار. ومن ثم، فإن أي محاولة لتوظيف وثائق تاريخية تعود إلى ثلاثة قرون لتبرير احتلال معاصر، لا تعدو أن تكون إخراجًا سياسيًا مُضللًا خارج عن السياق الزمني والقانوني.

الخلط بين الاعتراف الرمزي والسيادة القانونية

من اللافت أن معاهدة 1721 نفسها تحتوي على صيغ دبلوماسية رمزية تقليدية، مثل الإشارة إلى الملك البريطاني بصفته “ملك بريطانيا وفرنسا”. فهل يعني هذا أن فرنسا كانت جزءًا من المملكة المتحدة؟ بالطبع لا. ومثلها تمامًا الصياغات التي استخدمت للتعبير عن احترام متبادل للسيادة لا يمكن تأويلها كاعتراف بامتداد سيادة دولة على أراضٍ لم تكن جزءًا من النزاع أو السياق السياسي في ذلك الزمن.

الاستناد إلى “رؤية شخصية” لا يُثبت واقعًا

من بين المغالطات الأخرى التي تكررت في الطرح المغربي، الادعاء بأن “غالبية سكان الصحراء يرحبون بالسيادة المغربية”، وهو ادعاء لا يستند إلى أي آلية استشارية أو تصويتية شفافة. بل على العكس، ما تؤكده الحقائق هو أن عشرات الآلاف من الصحراويين يعيشون لاجئين في مخيمات تندوف، وأن الانتهاكات الممنهجة لحقوق الإنسان في المدن المحتلة موثقة من قبل منظمات دولية مستقلة، تشمل الاعتقالات التعسفية، التعذيب، محاكمات غير عادلة، وقمع التعبير.

كما أن محكمة العدل الأوروبية أصدرت عدة أحكام تؤكد أن الثروات الطبيعية في الصحراء الغربية لا يمكن استغلالها دون موافقة شعب الإقليم، ما يُعد صفعة قانونية لأي محاولة لتكريس السيطرة الاقتصادية من قبل دولة الاحتلال.

الخلاصة

المعركة الحقيقية في الصحراء الغربية ليست معركة وثائق تاريخية منتقاة من سياقها، بل معركة قانون دولي وحق شعوب. المعاهدة البريطانية–المغربية لعام 1721 لا تمنح أي مشروعية قانونية للاحتلال، ولا تلغي عشرات القرارات الأممية التي تكرس حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره.

الرهان على التزييف الإعلامي قد يُخدع به بعض المتابعين مؤقتًا، لكنه لن يغيّر من حقيقة أن الصحراء الغربية هي آخر مستعمرة في إفريقيا تنتظر حلًا عادلًا قائمًا على الاختيار الحر لشعبها، لا على الانتقاء التاريخي أو الاستعمار المغلف بغطاء اقتصادي ودبلوماسي.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى