استرجاع أم احتلال؟ التاريخ والقانون يفضحان الرواية المغربية عن وادي الذهب

في الذكرى التي تروج لها وسائل الإعلام المغربية باعتبارها “استرجاعاً لوادي الذهب”، تعود إلى الواجهة الحملة الدعائية الرسمية التي يسعى من خلالها المغرب إلى شرعنة احتلاله للصحراء الغربية، من خلال التركيز على مشاريع تنموية ظاهرية، وتجاهل الجذور القانونية والسياسية للنزاع، والانتهاكات الخطيرة التي يتعرض لها الشعب الصحراوي في المناطق الخاضعة للاحتلال المغربي.
وفيما تحتفل الرباط بما تسميه “الربط بين الشمال والجنوب”، لا تزال الصحراء الغربية تُصنّف لدى الأمم المتحدة كإقليم غير متمتع بالحكم الذاتي، يخضع لعملية تصفية استعمار لم تُستكمل بعد، وسط تعنّت مغربي مستمر في وجه كل جهود التسوية الأممية التي تضمن حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره.
محكمة العدل الدولية: لا سيادة مغربية على الصحراء الغربية
في رأيها الاستشاري الصادر بتاريخ 16 أكتوبر 1975، أكدت محكمة العدل الدولية (ICJ) بشكل قاطع أنه:
“لا توجد أي روابط سيادية قانونية بين المغرب والصحراء الغربية، من شأنها أن تؤثر على تطبيق مبدأ تقرير المصير من خلال التعبير الحر والحقيقي لإرادة شعب الإقليم.”
هذا الرأي القانوني، الصادر عن أعلى هيئة قضائية دولية، نسف ادعاءات الرباط بوجود “حقوق تاريخية”، وأكد بشكل لا لبس فيه أن مستقبل الصحراء الغربية يجب أن يُحسم عبر استفتاء حر ونزيه بإشراف الأمم المتحدة، وهو الاستحقاق الذي لا يزال المغرب يعرقله منذ توقيعه اتفاق وقف إطلاق النار مع جبهة البوليساريو سنة 1991.
احتلال عسكري لا استرجاع: واقع ما بعد انسحاب موريتانيا
في عام 1979، وبعد انسحاب موريتانيا من إقليم وادي الذهب نتيجة الضربات العسكرية والسياسية التي تلقتها من جبهة البوليساريو، سارع المغرب إلى احتلال الإقليم عسكرياً، في غياب أي تفويض أممي أو توافق دولي. وبدلاً من احترام حق الصحراويين في تقرير مصيرهم، فرضت الرباط سيطرة أمنية مشددة، وشرعت في نقل آلاف المستوطنين المغاربة إلى المنطقة، ضمن سياسة ممنهجة لتغيير التركيبة الديموغرافية، وهو انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني.
محكمة العدل الأوروبية: الموارد الصحراوية ليست للمغرب
في سلسلة من الأحكام التاريخية، أبرزها حكمها الصادر في ديسمبر 2016 وأحكام لاحقة خلال 2018 و2021، أكدت محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي (CJEU) أن:
“الصحراء الغربية إقليم منفصل ومتميز عن المغرب، وأن أي اتفاق تجاري يشمل الإقليم أو موارده الطبيعية – كالصيد البحري أو الزراعة أو الفوسفات – لا يمكن أن يكون شرعياً دون موافقة شعب الصحراء الغربية، الممثل بجبهة البوليساريو.”
وبذلك، أبطلت المحكمة اتفاقيات كانت الرباط قد وقعتها مع الاتحاد الأوروبي، وأكدت أن استغلال الثروات الطبيعية في الإقليم دون موافقة أهله يُعد انتهاكًا للقانون الدولي وحقوق الشعوب غير المحكومة ذاتياً.
الواقع في الميدان: مشاريع في خدمة الاحتلال وليس السكان
على الرغم من الترويج الرسمي لـ “مشاريع تنموية” في الداخلة والعيون وبوجدور، فإن معظم هذه المبادرات تُصمم وتُنفذ لخدمة أهداف استراتيجية واقتصادية مغربية، لا لتلبية حاجيات السكان الصحراويين أو تمكينهم.
- ميناء الداخلة الأطلسي، الذي يُقدَّم كمشروع تنموي، يُستخدم فعلياً لتسهيل نهب الموارد البحرية وتصديرها إلى الأسواق الدولية، بعيداً عن أي إشراف أو استفادة للسكان الأصليين.
- مشاريع الطاقة المتجددة في الصحراء الغربية، خاصة الطاقة الشمسية والريحية، تُقام على أراضٍ مصادرة، وتُستخدم عوائدها لدعم الاقتصاد المغربي لا الصحراوي.
حقوق الإنسان في المناطق المحتلة: قمع ممنهج وصمت دولي
بعيداً عن الصور الإعلامية، يعيش الصحراويين تحت الاحتلال المغربي واقعًا من القمع والتمييز والحرمان من الحقوق:
- الاعتقالات التعسفية تطال النشطاء، الإعلاميين، وحتى الطلاب.
- التعذيب في مراكز الشرطة وثقته منظمات دولية مرموقة كـ هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية و منظمة عدالة البريطانية .
- حظر التظاهر والتجمع السلمي، خاصة في المناسبات الوطنية الصحراوية.
- التضييق على حرية الإعلام، ومنع دخول المراقبين الدوليين والصحفيين الأجانب إلى الإقليم.
في المقابل، يحظى المستوطنون المغاربة في الإقليم بامتيازات اقتصادية واجتماعية، في إطار سياسة ممنهجة لتكريس الأمر الواقع.
الخلاصة: لا شرعية للاحتلال، ولا تنمية بدون حرية
الرسالة التي يحاول الإعلام المغربي تسويقها من أن الاحتلال جلب التنمية لا تصمد أمام الحقائق القانونية والسياسية والإنسانية:
- الاحتلال لا يصنع تنمية شرعية، بل يرسخ الهيمنة والقمع.
- لا شرعية لأي مشروع اقتصادي في غياب موافقة شعب الإقليم.
- لا سلام دائم دون احترام حق الصحراويين في تقرير مصيرهم بحرية.
إن القضية الصحراوية ليست نزاعاً على مشاريع أو استثمارات، بل قضية تصفية استعمار، يدفع ثمن تأجيلها أجيال من الصحراويين الذين لا يزالون يعيشون بين مخيمات اللجوء في تندوف، ومناطق الاحتلال في العيون والداخلة وسمارة وغيرها، في انتظار حقهم في الحرية والاستقلال، كما نصت عليه كل الأعراف والمواثيق الدولية.
محمود حيمد SNN Sahara




