صفعة لندن للمغرب: استقبال رسمي وعلني لوزير خارجية البوليساريو في وزارة الخارجية البريطانية

في خطوة تُعدّ إحراجًا دبلوماسيًا مباشرًا للمغرب، الذي طالما روّج في إعلامه الرسمي أن المملكة المتحدة تدعم “مقترح الحكم الذاتي”، استقبلت وزارة الخارجية البريطانية، يوم الثلاثاء، وفدًا رسميًا من جبهة البوليساريو يقوده وزير الخارجية الصحراوي السيد محمد يسلم بيسط، في اجتماع رسمي وعلني مع وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، هاميش فالكونز، بمقر الوزارة في لندن. هذا اللقاء، الذي جاء بناءً على دعوة رسمية من الجانب البريطاني، نسف فعليًا ادعاءات المغرب بوجود دعم بريطاني غير مشروط لموقفه، وأعاد تسليط الضوء على التزام بريطانيا بالقانون الدولي ومبدأ تقرير المصير، مما يشكل صفعة مزدوجة للرباط: دبلوماسية من خلال الموقف الرسمي، وإعلامية من خلال تصحيح الانحرافات الصحفية.
الاجتماع… رسائل مباشرة على طاولة لندن
خلال اللقاء، ناقش الجانبان تطورات النزاع في الصحراء الغربية، وأكد المسؤول البريطاني أهمية التمسك بالقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن، بما فيها حق شعب الصحراء الغربية في تقرير مصيره. كما شدد الطرف الصحراوي على ضرورة أن تُسهم المملكة المتحدة – كقوة دائمة العضوية في مجلس الأمن – في كسر الجمود الحاصل في العملية السياسية.
وأكد الجانبان على أهمية دعم جهود المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا، والتزام المجتمع الدولي بإيجاد حل سياسي عادل وسلمي ومتوافق عليه، يُنهي حالة الاحتلال ويفتح الباب أمام الاستقرار في المنطقة.
إحراج علني للرباط
المفارقة الكبرى أن هذا اللقاء تم في وقت كانت فيه وسائل الإعلام المغربية تروّج لوجود “دعم بريطاني واضح لمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية”، في محاولة لإيهام الرأي العام بأن لندن تصطف مع الرباط. لكن الواقع الميداني والسياسي البريطاني كذّب هذه الادعاءات، وجاء اللقاء مع الجبهة الصحراوية ليظهر استقلال القرار البريطاني عن الرواية الرسمية المغربية.
الحراك الحقوقي يسبق الدبلوماسية
وقبل أسابيع من هذا التحول البريطاني الرسمي، كانت منظمات حقوقية ونشطاء داخل المملكة المتحدة – وعلى رأسهم منظمة “عدالة البريطانية”– قد أطلقوا حملة ضغط قوية على وسائل الإعلام البريطانية، بعد نشر صحيفة التلغراف مقالًا مسيئًا صنّف جبهة البوليساريو زورًا كـ”منظمة إرهابية”، بما يتماهى بشكل صارخ مع الخطاب المغربي.
هذه الحملة دفعت الصحيفة العريقة إلى نشر رد رسمي ومفصّل من الجبهة، موقّع من ممثلها في بريطانيا السيد سيدي بريكة، وهو ما اعتُبر تراجعًا ضمنيًا واعتذارًا إعلاميًا غير مباشر، تحت وقع النقد الحقوقي والمسؤولية الصحفية.
الرد الصحراوي: تفنيد دقيق للإدعاءات المغربية
في رده المنشور، فنّد سيدي بريكة الادعاءات المغربية بشكل دقيق، مؤكدًا أن جبهة البوليساريو هي حركة تحرر وطني يعترف بها المجتمع الدولي، وليست تنظيمًا انفصاليًا أو إرهابيًا كما يدّعي إعلام الرباط. وأشار إلى أن محكمة العدل الدولية (1975) ومحكمة العدل الأوروبية أكدتا أن الصحراء الغربية لم تكن يومًا جزءًا من المغرب، وبالتالي فإن مقاومة الاحتلال المغربي هي حق مشروع يكفله ميثاق الأمم المتحدة.
كما نفى بشكل قاطع أية صلات مزعومة للجبهة مع إيران أو حركات مصنّفة إرهابية، معتبرًا تلك الادعاءات جزءًا من حملة دعائية تهدف إلى تشويه النضال الصحراوي المشروع.
الإعلام البريطاني تحت المساءلة
إقدام صحيفة التلغراف على نشر الرد الصحراوي لم يكن ليتحقق دون حملة ضغط من منظمات حقوقية بريطانية، كشفت زيف الاتهامات وطالبت بإعادة الاعتبار للقضية الصحراوية. وقد أُحرجت الصحيفة، وتراجعت عن خطابها المتماهي مع الرواية المغربية، مما يعكس بداية تحوّل في الخطاب الإعلامي البريطاني نحو قدر أكبر من التوازن والمسؤولية.
خلاصة: تغير حقيقي على الأرض البريطانية
استقبال بريطانيا لوزير خارجية الجمهورية الصحراوية ووفد البوليساريو، ثم نشر الرد الرسمي على الصحيفة التي وصفت الجبهة بالإرهاب، لا يمكن فصله عن تحول عميق في المواقف البريطانية، سواء على مستوى الرأي العام، أو داخل المؤسسات الرسمية.
ويبدو أن المغرب، الذي اعتمد طويلًا على الإعلام والمناورات الدبلوماسية لتثبيت روايته، يواجه الآن تحديات حقيقية على الساحة الأوروبية، تبدأ من بريطانيا، حيث أصبح التواطؤ مع الرواية المغربية مكلفًا أخلاقيًا وإعلاميًا.
إنها رسالة واضحة من لندن: دعم تقرير المصير لا يزال خيارًا قائمًا، والتواطؤ مع الاحتلال لم يعد مضمونًا كما في السابق.
SNN SAHSRA




