اخبار عامةاخر الاخبار

الخلفي ومغالطة “المنعطف الحاسم”: لماذا لا تزال الصحراء الغربية قضية تصفية استعمار؟

بقلم: محمود حيمد – 5 أغسطس 2025

نشر مصطفى الخلفي، الوزير المغربي السابق وعضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، مقالًا يحمل عنوانًا مثيرًا: “50 سنة على نزاع الصحراء ورهان المنعطف الجديد.. تفاؤل حذر وسط تحديات”، اعتبر فيه أن سنة 2025 تشكل “منعطفًا حاسمًا” في طريق ما يسميه “إنهاء النزاع حول الصحراء المغربية”. لكن ما قدمه الخلفي في الواقع ليس سوى تجميعٍ مألوف لمزاعم دعائية تغفل الحقائق القانونية والسياسية حول طبيعة النزاع، وتتجاهل الواقع الميداني والإقليمي والدولي الذي لا يزال يعترف بالصحراء الغربية كقضية تصفية استعمار لم تُحل بعد.

1. تقليص عدد الاعترافات؟ أم تضليل سياسي؟

يدّعي الخلفي أن عدد الدول المعترفة بجبهة البوليساريو تقلّص إلى أقل من 25 دولة، دون تقديم أي دليل موثق أو مرجع رسمي. هذه الأرقام تُروَّج بشكل متكرر في الإعلام الرسمي المغربي، لكنها لا تصمد أمام التدقيق. فجبهة البوليساريو لا تزال تحتفظ بعضوية كاملة في الاتحاد الإفريقي، وتحظى بدعم دولي واسع، خاصة من دول الجنوب التي عانت من الاستعمار، ومن حركات التحرر في أمريكا اللاتينية، إفريقيا وآسيا.

والأهم من الأرقام هو أن وضع الصحراء الغربية لم يتغير قانونيًا: فهي لا تزال مدرجة في قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المحكومة ذاتيًا، والمغرب لا يُعترف له بالسيادة عليها من طرف الأمم المتحدة أو محكمة العدل الدولية أو أي هيئة قضائية دولية مستقلة.

2. الحكم الذاتي ليس بديلاً عن تقرير المصير

يحاول الخلفي، كغيره من المسؤولين المغاربة، الترويج لفكرة أن مبادرة الحكم الذاتي المغربية هي “الإطار الوحيد” المقبول دوليًا. لكن الواقع أن الأمم المتحدة لا تزال تطالب بحل سياسي “يضمن حق تقرير المصير”، وهي صيغة لا يمكن أن تتحقق إلا إذا أُعطي الشعب الصحراوي الخيار بين الحكم الذاتي، الانضمام للمغرب، أو الاستقلال التام.

اختزال النقاش في “الحكم الذاتي” فقط، ورفض الاستفتاء، هو تجاوز صارخ للمبدأ الأساسي الذي قامت عليه خطة السلام الأممية منذ عام 1991.

3. الربط بين البوليساريو والإرهاب: خطاب خطير وملغوم

من أخطر ما جاء في مقال الخلفي هو حديثه عن السعي إلى تصنيف جبهة البوليساريو كمنظمة إرهابية. هذا التصريح يكشف نزعة متطرفة تهدف إلى تجريم حركة تحرر وطني تعترف بها منظمات إقليمية كالاتحاد الإفريقي وتتعامل معها الأمم المتحدة بصفتها طرفًا في النزاع.

مثل هذه المحاولات لا تهدف إلا إلى تضليل الرأي العام الدولي، والتمهيد لقمع أكبر في الأراضي الصحراوية المحتلة، واستهداف المدنيين والنشطاء الذين يرفعون شعارات الاستقلال.

4. المقارنة المضللة مع حالات انفصالية في العالم

يخلط الخلفي عمداً بين الحالة الصحراوية وبين تجارب انفصال أو صراعات مسلحة في أماكن أخرى مثل كردستان، أوكرانيا، السودان، سوريا وغيرها، متجاهلاً أن الصحراء الغربية حالة فريدة قانونياً، حيث حددت محكمة العدل الدولية منذ عام 1975 أنه لا توجد أي روابط سيادية بين المغرب والإقليم، وأن الشعب الصحراوي هو الوحيد صاحب الحق في تحديد مستقبل الصحراء.

بل إن كل قرارات الأمم المتحدة، بما فيها الأخيرة، لا تزال تعتبر أن القضية لم تُحل، وأن الحل يجب أن يتم وفقاً لمبدأ تقرير المصير وليس منطق الأمر الواقع أو القوة.

5. المراهنة على طرد البوليساريو من الاتحاد الإفريقي: أوهام سياسية

يعتبر الخلفي أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تشهد “طرد البوليساريو من الاتحاد الإفريقي”، وهو اقتراح يفتقر للواقعية السياسية والقانونية. فجبهة البوليساريو، باعتبارها الممثل الشرعي للجمهورية الصحراوية، عضو مؤسس في منظمة الوحدة الإفريقية، وتتمتع بعضوية كاملة في الاتحاد الإفريقي. ولا يمكن طردها إلا بخرق الميثاق التأسيسي للاتحاد، وهو ما لن تقبل به الأغلبية الساحقة من الدول الأعضاء، خاصة تلك التي تدافع عن مبادئ السيادة وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

6. تجاهل تام للقمع والانتهاكات في الأراضي المحتلة

ما لا يذكره الخلفي في مقاله هو الوضع المأساوي لحقوق الإنسان في المدن الصحراوية المحتلة: الاعتقالات السياسية، منع التظاهر، قمع الصحفيين، التضييق على الجمعيات، وحصار ممنهج لأي صوت يطالب بالاستقلال أو حتى بحقوق مدنية متساوية.

لا يمكن الحديث عن “اندماج الصحراويين” أو “التأهيل الذاتي للنخب الوحدوية” في ظل هذا الواقع القمعي، ولا يمكن اعتبار مشروع “الحكم الذاتي” مشروعاً قابلاً للتطبيق وهو يُفرض بالحديد والنار في غياب الحد الأدنى من الحريات.


خلاصة: محاولة يائسة لتزييف الحقائق

إن ما ورد في مقال مصطفى الخلفي ليس أكثر من محاولة يائسة لتزييف الواقع القانوني والسياسي لقضية عادلة يتعاطف معها أحرار العالم، ولترويج خطاب سلطوي مغلق يتنافى مع أبسط المبادئ الديمقراطية.

الصحراء الغربية ليست “منعطفاً حاسماً” نحو مغربتها، كما يدّعي الخلفي، بل هي محطة أخرى في مسار نضالي طويل، يؤكد من جديد أن الشعب الصحراوي، رغم المعاناة والتشريد والاحتلال، لا يزال ثابتاً على موقفه: لا بديل عن الاستقلال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى