التلغراف البريطانية تنشر ردًّا للبوليساريو: اعتذار ضمني بعد محاسبة إعلامية

في خطوة غير معتادة من الصحافة البريطانية، نشرت صحيفة التلغراف يوم 1 يوليو/تموز 2025 ردًا رسميًا من جبهة البوليساريو، عقب موجة انتقادات واتهامات طالت الصحيفة بسبب وصفها غير الدقيق والمسيء للجبهة التحريرية بأنها “منظمة إرهابية”. هذا الرد، الذي جاء على شكل رسالة موقعة من السيد سيدي بريكة، ممثل الجبهة في المملكة المتحدة، يشكّل بمثابة اعتذار ضمني من الصحيفة، ويعكس حجم الضغط والمساءلة التي تعرضت لها وسائل الإعلام البريطانية عندما تنحرف عن المهنية وتنخرط في ترويج روايات مشبوهة.
تضليل إعلامي ومحاسبة مشروعة
كانت التلغراف قد نشرت مقالًا للكاتب روبرت كلارك، جاء فيه وصف جبهة البوليساريو – التي تمثل منذ أكثر من خمسين عامًا الكفاح المشروع لشعب الصحراء الغربية – بأنها “منظمة إرهابية”، وهو ادعاء خطير لا يستند إلى أي أساس قانوني أو واقعي، بل ينسجم مع دعاية النظام المغربي الذي يسعى إلى تشويه صورة نضال الشعب الصحراوي العادل.
وقد أثار هذا الوصف موجة من التنديد في أوساط المدافعين عن حقوق الإنسان، وأصدقاء القضية الصحراوية وعلى رأسهم منظمة عدالة البريطانية الذين اعتبروا أن ما نشرته الصحيفة يتنافى مع مبادئ الصحافة الحرة والمسؤولة، ويتماهى مع أجندات سياسية هدفها تقويض الحق في تقرير المصير وتشويه صورة حركات التحرر الوطني.
الرد الصحراوي: دفاع عقلاني ومؤسسي
في مقاله المنشورة أكد السيد سيدي بريكة رفضه القاطع لتوصيف البوليساريو كمنظمة إرهابية، مشيرًا إلى أن النضال الذي تخوضه الجبهة منذ أكثر من نصف قرن لم يعتمد يومًا على وسائل الإرهاب، بل يستند إلى المقاومة السلمية والالتزام بالقانون الدولي. وذكّر بريكة بأن الأمم المتحدة تعترف بالبوليساريو ممثلًا شرعيًا ووحيدًا للشعب الصحراوي، وتصف المغرب رسميًا بأنه قوة احتلال.
كما شدّد على أن الصحراء الغربية لم تكن في أي وقت جزءًا من المملكة المغربية، وهو ما أكدته محكمة العدل الدولية في عام 1975، وأعادت التأكيد عليه محكمة العدل الأوروبية مؤخرًا. وبالتالي، لا يمكن وصف الجبهة بأنها “حركة انفصالية”، لأن الانفصال لا يكون إلا عن كيان انتمى إليه الإقليم في الأساس، وهو ما لم يحدث في حالة الصحراء الغربية.
تفنيد الادعاءات المغربية
وفي رده على اتهامات بعلاقات مزعومة مع إيران أو “حزب الله” أو “حماس”، نفى ممثل البوليساريو بشكل قاطع وجود أي صلات أو تعاون عسكري مع أي جهة مصنفة ضمن قوائم الإرهاب. واعتبر هذه المزاعم جزءًا من “حملة مغربية منظمة لتشويه صورة الكفاح النبيل والعادل للشعب الصحراوي”، مؤكدًا أن معركة البوليساريو هي معركة تحرر وطني مشروعة، تستند إلى القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وتكفلها مبادئ الحق في تقرير المصير.
صحوة متأخرة للإعلام البريطاني؟
نشر رد البوليساريو في صحيفة التلغراف العريقة لا يمكن فصله عن حالة الضغط المتزايد على الإعلام البريطاني ومساءلته بشأن مواقفه من القضايا الدولية، خاصة في ظل تزايد الوعي العام حول قضايا الاستعمار المتأخر وانتهاكات حقوق الإنسان في مناطق النزاع، ومنها الصحراء الغربية.
وإذا كانت التلغراف لم تعتذر صراحة، فإن إتاحة المجال لنشر هذا الرد الرسمي والمتزن يمثّل تراجعًا ضمنيًا عن الاتهامات السابقة، وتكريسًا لحق الطرف المستهدف في الرد والدفاع عن نفسه، وهي خطوة إيجابية في حد ذاتها، وإن جاءت متأخرة.
نحو خطاب إعلامي أكثر توازنًا
تأمل الأوساط الحقوقية أن تشكّل هذه الحادثة درسًا للمؤسسات الإعلامية البريطانية والغربية عمومًا، بأهمية تبنّي خطاب موضوعي ومتوازن في تغطية النزاعات الدولية، بعيدًا عن الدعاية الموجهة والاصطفافات السياسية. فالقضية الصحراوية ليست مجرد “نزاع إقليمي”، بل قضية تصفية استعمار لم تُستكمل بعد، وشعبها يستحق أن تُروى قصته بعدالة وصدق، دون تحريف أو تشويه.
وبينما تتعرض جبهة البوليساريو لحملات تشويه إعلامية مدفوعة، فإن الحقائق على الأرض والشرعية القانونية والسياسية التي تحظى بها، تجعل من الضروري على الصحافة الدولية أن تراجع مواقفها، وأن تكون منبرًا للحق، لا أداة لتبرير الاحتلال.
المصدر: طاقم SNNSAHRA.COM




